الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
190
نفحات القرآن
الاستبدادي ، كما يلاحظ في الآية حيث جاء التعبير أكثر صراحة : « قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخرِجَاكُم مِّنْ أَرضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثلَى » . ( طه / 63 ) الجواب الدائم للمشركين : إنّ الآية الرابعة تنقل هذا المضمون على صورة إجابة دائمة من قبل مشركي مكّة حيث تقول : « وَاذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما انزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا » . وهذا في الحقيقة هو منطق كلّ معاند لجوج حيث يتوسّل بالتقليد حينما يعجز عن كلّ شيء ، التقليد الأعمى للأسلاف الضالّين والجاهلين والتفاخر بذلك دون امتلاك أي جواب تجاه الأدلّة المحكمة التي أقامها الأنبياء لإثبات حقّانية دعوتهم وبطلان الشرك وعبادة الأصنام . والقرآن الكريم يردّ هذا المنطق بجملة قصيرة واحدة حيث تقول في طول هذه الآية بشكل سؤال : « أَوَلَو كَانَ آباؤُهُم لَايعقِلُونَ شَيئاً ولَا يَهتَدُونَ » « 1 » . أي أنّ تقليدهم لو كان كتقليد الجاهل للعالم لكان مقبولًا ، ولكنّه ليس كذلك بل هو تقليد جاهلٍ لجاهلٍ آخر ، واتّباع ضالٍ لضالٍ آخر ، فمثلهم كالأعمى الذي يقوده أعمى آخر . إنّ هذه الآية وما سبقها من آيات تتحدّث - كما يفهم من سياقها - عن مشركي العرب ، وما احتمله بعض المفسّرين من انّها تقصد اليهود وما ورد عن ابن عباس بشأن سبب نزولها يُعد أمراً بعيداً .
--> ( 1 ) في الآية جملة مقدّرة معناها : « أيتّبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كلّ حال وفي كلّ شيء ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون » .